الشوكاني

195

فتح القدير

قوله ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ) قد تقدم تفسير هذا في سورة الحديد ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ) هم بنو النضير ، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا منهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فغدروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عاهدوه ، وصاروا عليه مع المشركين ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى رضوا بالجلاء . قال الكلبي : كانوا أول من أجلى من أهل الذمة من جزيرة العرب ، ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب ، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة ، وآخر حشر إجلاء عمر لهم . وقيل إن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر ، وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام ، وقيل آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر ، وهي الشام . قال عكرمة : من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام فليقرأ هذه الآية ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم : أخرجوا ، قالوا إلى أين ؟ قال إلى أرض المحشر . قال ابن العربي : الحشر أول وأوسط وآخر ، فالأول إجلاء بني النضير ، والأوسط إجلاء أهل خيبر ، والآخر يوم القيامة . وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير ، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري فقال : هم بنو قريظة ، وهو غلط ، فإن بني قريظة ما حشروا ، بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه ، فحكم عليهم بأن تقتل مقاتلهم ، وتسبى ذراريهم ، وتغنم أموالهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسعد : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة . واللام في لأول الحشر متعلقة بأخرج ، وهي لام التوقيت كقوله - لدلوك الشمس - ( ما ظننتم أن يخرجوا ) هذا خطاب للمسلمين : أي ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم لعزتهم ومنعتهم ، وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة وعقار ونخيل واسعة ، وأهل عدد وعدة ( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ) أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله ، وقوله مانعتهم خبر مقدم ، وحصونهم مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر أنهم ، ويجوز أن يكون مانعتهم خبر أنهم وحصونهم فاعل مانعتهم ، ورجح الثاني أو حيان ، والأول أولى ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) أي أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة ، وهو أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك ، وقيل هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح ، فإن قتله أضعف شوكتهم . وقيل إن الضمير في أتاهم ولم يحتسبوا للمؤمنين : أي فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا ، والأول أولى لقوله ( وقذف في قلوبهم الرعب ) فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير ، لا في قلوب